نعم، لقد حان الوقت لسنّ قانون وطني لتأسيس وتنظيم وتنمية المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في الدولة الصحراوية. غير أن نجاح هذا القانون يتطلب قيامه على ركيزتين أساسيتين: ألا يتناقض مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، وأن يراعي بصورة واقعية ظروف الحياة والعمل في مخيمات اللاجئين الصحراويين.
فالقانون المطلوب لا ينبغي أن يكون نسخة منقولة من تشريعات دول مستقرة تمتلك أسواقاً مالية متقدمة وبنية إدارية مكتملة. كما لا ينبغي أن ينظم شركات تفترض وجود رؤوس أموال كبيرة، وعقارات قابلة للرهن، ومصارف تجارية متاحة، وسوق مستقرة. المطلوب هو قانون صحراوي ينطلق من الإمكانات والظروف الحقيقية للمجتمع، ويحمي قيمه، ويفتح المجال أمام المبادرة والإنتاج والتكافل.
وكما يحتاج الاقتصاد إلى الطرق والطاقة والاتصالات، فإنه يحتاج إلى بنية تحتية قانونية تمنح النشاط الاقتصادي صفة واضحة، وتحمي حقوق أصحابه والمتعاملين معه، وتنظم التمويل والعمل والتعاقد وتسوية النزاعات. ولهذا فإن قانون المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل يمثل خطوة في بناء مؤسسات الاقتصاد الوطني الصحراوي.
الفكرة الأساسية هي أن تأسيس المشروع يجب أن يكون مشروعاً من الناحية القانونية، ومباحاً من الناحية الشرعية، وممكناً من الناحية الواقعية داخل المخيمات.
القانون بوصفه بنية تحتية للاقتصاد الوطني
البنية التحتية الاقتصادية ليست منشآت مادية فقط. فالسجل التجاري، والشخصية الاعتبارية، والعقود الواضحة، والحسابات المبسطة، والتمويل المشروع، وحماية الحقوق، وتسوية التعثر، كلها مرافق قانونية يحتاج إليها صاحب المشروع كما يحتاج إلى الكهرباء والطريق والماء والاتصال.
من دون هذه المرافق يبقى النشاط الاقتصادي هشاً وغير موثق، ويعتمد على العلاقات الشخصية أكثر من اعتماده على قواعد عامة معلومة. كما يصبح صاحب المشروع عاجزاً عن إثبات حقوقه، أو الحصول على تمويل، أو توسيع نشاطه، أو معالجة الخلافات بطريقة عادلة.
وجود قانون واضح يمنح المشروع هوية رسمية يستطيع بواسطتها إبرام العقود، وتوظيف العمال، والمشاركة في المشتريات، والحصول على التمويل المشروع، وإثبات معاملاته أمام الجهات المختصة. كما يمنح المؤسسات الوطنية قاعدة معلومات تساعدها على معرفة حجم النشاط الاقتصادي وقطاعاته واحتياجاته.
لكن هذه البنية القانونية لا تؤدي وظيفتها إذا كانت معقدة أو مرتفعة التكلفة أو منفصلة عن الواقع. لذلك يجب أن يكون التسجيل بسيطاً، وأن تكون الرسوم منخفضة، وأن تكون الإجراءات مفهومة، وأن تتوافر الخدمة حضورياً ورقمياً بحسب الإمكانات.
مرجعية الشريعة الإسلامية
ينبغي أن ينص القانون منذ مواده الأولى على أن تأسيس المشروعات ونشاطها وعقودها ووسائل تمويلها يجب ألا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة. والمقصود بذلك حماية العدل، والملكية المشروعة، وحرية التعاقد، والوفاء بالعقود، ومنع الظلم والاستغلال والغش وأكل أموال الناس بالباطل.
ولا يعني هذا الشرط إضافة عبارة عامة إلى مقدمة القانون فقط. بل يجب أن يظهر أثره في الأحكام العملية المتعلقة بالتمويل والشراكة والبيع والإجارة والضمان والأرباح والخسائر وتسوية المنازعات.
ينبغي أن يمنع القانون تمويل المشروعات على أساس الربا، وأن يحظر العقود التي تقوم على الغرر الفاحش أو الجهالة المؤدية إلى النزاع أو المقامرة أو بيع المحرمات. كما يجب أن يوجب الوضوح في تحديد رأس المال، ونسب الأرباح، والمسؤوليات، وآجال التنفيذ، وصفات السلع أو الخدمات، وطريقة تحمل الخسائر.
ويجب أن يفرق القانون بين الربح المشروع الناتج عن التجارة أو الاستثمار أو تحمل المخاطر، وبين الزيادة المضمونة على القرض. كما ينبغي أن يحمي الطرف الضعيف من الشروط المجحفة، وأن يمنع استغلال حاجة اللاجئ أو محدودية خياراته الاقتصادية.
ولا ينبغي اعتبار المسؤولية المحدودة مخالفة للشريعة في ذاتها، ما دامت الشخصية القانونية للشركة معلنة، ورأس مالها والتزاماتها واضحة، ولا تستخدم لإخفاء الغش أو التهرب من حقوق الدائنين أو العمال. ويجب رفع الحماية عن الشريك أو المدير إذا ثبت الاحتيال أو خلط أموال الشركة بأمواله الخاصة أو تعمد الإضرار بالغير.
ومن المناسب إنشاء هيئة أو لجنة رقابة شرعية واقتصادية تضم علماء مؤهلين في فقه المعاملات، وقانونيين، واقتصاديين، ومحاسبين. تكون مهمتها مراجعة نماذج العقود وأدوات التمويل واللوائح، وإصدار آراء معللة وعلنية، مع تجنب التعقيد أو تحويل الرقابة الشرعية إلى عائق بيروقراطي جديد.
أدوات تمويل متوافقة مع الشريعة
يجب أن يفتح القانون المجال أمام صيغ تمويل مشروعة تتناسب مع طبيعة المشروعات الصغيرة. ويمكن أن تشمل هذه الصيغ المشاركة، والمضاربة، والمرابحة، والإجارة، والسلم، والاستصناع، والقرض الحسن، والتمويل التعاوني.
تصلح المشاركة عندما يساهم طرفان أو أكثر في رأس المال ويتقاسمون الربح بحسب الاتفاق والخسارة بحسب المساهمة. وتفيد المضاربة عندما يقدم طرف المال ويقدم الطرف الآخر العمل والخبرة. ويمكن استخدام المرابحة لتمويل شراء المعدات أو المواد، بشرط أن تكون المعاملة بيعاً حقيقياً معلوماً وليست قرضاً يخفي فائدة.
كما يمكن استخدام الإجارة لتمكين المشروع من الانتفاع بآلة أو وسيلة نقل من دون تحمل ثمنها دفعة واحدة. وقد تخدم عقود السلم بعض الأنشطة الإنتاجية التي تحتاج إلى تمويل مسبق مقابل تسليم منتجات معلومة في وقت لاحق. أما القرض الحسن فيمكن أن يدعم المشروعات الاجتماعية أو الأنشطة التي يقودها الشباب والأسر محدودة الدخل.
ويجب أن يضع القانون قواعد تمنع استعمال أسماء العقود الشرعية للتحايل على الربا. فالعبرة بحقيقة المعاملة وآثارها، لا باسمها فقط. كما يجب أن تكون التكاليف والأرباح والرسوم معلنة قبل التعاقد، وأن يحصل المستفيد على نسخة واضحة من العقد.
ويمكن للقانون أن يسمح بإنشاء صندوق وطني أو اجتماعي لتمويل المشروعات الصغيرة من التبرعات والأوقاف والزكاة في حدود مصارفها الشرعية، إضافة إلى الموارد العامة والمساهمات التضامنية. ويجب الفصل المحاسبي الكامل بين هذه الموارد، واحترام الغرض الشرعي والقانوني المخصص لكل مورد، وإخضاع الإدارة للشفافية والتدقيق.
مراعاة واقع مخيمات اللاجئين
ينبغي أن يبدأ القانون من الاعتراف بأن النشاط الاقتصادي في مخيمات اللاجئين يجري في ظروف استثنائية. فالبنية التحتية محدودة، والأسواق صغيرة، والدخل متقلب، والوصول إلى التمويل صعب، وفرص التوظيف قليلة، وبعض الأنشطة تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المساعدات الإنسانية.
كما قد يواجه أصحاب المشروعات صعوبات في التنقل، والحصول على المواد الأولية، والتخزين، والنقل، والاتصال، والطاقة، والوصول إلى الأسواق الخارجية. ولا يمتلك كثير منهم عقارات أو أصولاً رسمية يمكن تقديمها ضماناً للتمويل. لذلك لا يجوز بناء القانون على افتراضات لا توجد في المخيمات.
يجب أن يعترف القانون بالمشروع المنزلي، والمشروع الأسري، والحرفة الفردية، والتعاونية، والنشاط المتنقل، والخدمات الرقمية، والمبادرات التي تستخدم مرافق أو معدات مشتركة. كما ينبغي أن يتيح التسجيل لمن لا يمتلك مقراً تجارياً مستقلاً، متى كان النشاط آمناً ولا يضر بالصحة العامة أو بحقوق الجيران..
كما يجب أن تكون الرسوم رمزية أو معفاة في مرحلة التأسيس، وأن تكون النماذج قصيرة ومكتوبة بلغة واضحة. وينبغي توفير موظفين أو مكاتب متنقلة تساعد أصحاب المشروعات على التسجيل ومسك الحسابات، لأن ضعف الوصول إلى الإنترنت أو محدودية المعرفة القانونية لا يجب أن يحرما المواطن من حقه في تأسيس مشروع.
احترام الوضع القانوني والإداري للمخيمات
يجب أن يصاغ القانون بطريقة تراعي الواقع القانوني والإداري الذي تعمل داخله المخيمات. ولذلك ينبغي تنسيق أحكامه التنفيذية مع المؤسسات الصحراوية المختصة، ومع القواعد المنظمة للمخيمات، ومع الالتزامات القانونية ذات الصلة بالدولة المضيفة، ومع مهام المنظمات الإنسانية العاملة في الميدان.
ولا ينبغي أن يمنح تسجيل المشروع حقاً تلقائياً في تملك الأرض أو استعمالها بصورة دائمة إذا كان نظام تخصيص الأراضي والمرافق يخضع لقواعد خاصة. بل يجب الفصل بين تسجيل النشاط الاقتصادي وبين الترخيص باستعمال المكان أو المورد العام.
كما ينبغي ألا يؤدي النشاط التجاري إلى الاستيلاء على المساعدات الإنسانية أو إعادة بيع المواد المخصصة مجاناً للفئات المستفيدة. يجب أن يضع القانون حظراً واضحاً على الاتجار غير المشروع بالمساعدات، مع التمييز بين ذلك وبين شراء المواد من مصادر مشروعة واستخدامها في نشاط منتج.
ويجب أيضاً حماية الطابع الإنساني للخدمات الأساسية. فلا يجوز أن يؤدي تشجيع الاستثمار إلى احتكار الماء أو الطاقة أو النقل الضروري أو المواد الأساسية، أو إلى حرمان الفئات الأضعف من الخدمات التي تقدم على أساس التضامن أو الاستحقاق الإنساني.
القطاعات التي ينبغي إعطاؤها الأولوية
ينبغي أن يوجه القانون الدعم نحو الأنشطة التي تلبي حاجات المجتمع وتقلل الاعتماد على الواردات والمساعدات من دون الإضرار بمنظومة الحماية الإنسانية. وتشمل هذه الأنشطة إنتاج الأغذية وتحويلها وحفظها، وصيانة المعدات، والخياطة والصناعات التقليدية، وإعادة التدوير، والنقل المنظم، والخدمات الصحية المساندة، والتعليم والتدريب، وتقنيات الاتصال، والخدمات الرقمية.
كما تمثل الطاقة الشمسية وصيانة منظومات الكهرباء والمياه مجالات مهمة في بيئة صحراوية. ويمكن دعم الأنشطة المرتبطة بتربية المواشي والخدمات البيطرية وإنتاج الأعلاف وفق الإمكانات البيئية المتاحة. وينبغي تشجيع المشروعات التي تعالج مشكلة حقيقية داخل المخيمات، لا تلك التي تكرر نشاطاً تجارياً محدوداً إلى درجة تؤدي إلى تشبع السوق وإفلاس الجميع.
ويجب أن تراعي التراخيص المخاطر الصحية والبيئية. فأنشطة الغذاء والدواء والنقل والطاقة تحتاج إلى رقابة تتناسب مع أثرها، بينما يمكن إخضاع الأنشطة البسيطة ومنخفضة المخاطر لإجراءات أخف.
حماية الاقتصاد التضامني من المزاحمة غير العادلة
يتميز مجتمع المخيمات بقوة الروابط العائلية والتضامن والتعاون. وينبغي للقانون أن يستفيد من هذه الخصائص بدلاً من أن يستبدلها بمنطق تجاري صرف. لذلك يجب الاعتراف بالتعاونيات والجمعيات الإنتاجية ومجموعات الادخار والتمويل التضامني ضمن إطار قانوني واضح.
وفي الوقت نفسه، يجب الفصل بين العمل التطوعي والنشاط الربحي. فالمؤسسة التي تحصل على موارد إنسانية أو إعانات مخصصة لخدمة عامة ينبغي ألا تستخدمها لمنافسة مشروع صغير يمول نفسه، إلا وفق قواعد معلنة تحقق المصلحة العامة وتمنع الاستغلال.
كما يجب منع الاحتكار والمضاربة في السلع الأساسية، ومراقبة تضارب المصالح، ومنع المسؤولين عن التراخيص أو التمويل من توجيه المنافع إلى أقاربهم أو شركائهم. فالعدالة في توزيع الفرص شرط لثقة المجتمع في القانون.
تعريف المشروعات وتصنيفها
ينبغي أن يميز القانون بين المشروع المتناهي الصغر والمشروع الصغير والمشروع المتوسط بناءً على معايير تتناسب مع الاقتصاد الصحراوي، مثل عدد العاملين، وحجم النشاط، وقيمة الأصول، وطبيعة القطاع.
ولا يفضل نقل حدود مالية من دول أخرى أو وضع أرقام جامدة قبل إجراء مسح اقتصادي داخل المخيمات. يمكن أن يضع القانون المبادئ العامة، بينما تحدد اللائحة التنفيذية الحدود العملية وتراجعها دورياً مع تغير الأسعار والظروف الاقتصادية.
ويجب أن تشمل المنظومة المنشآت الفردية، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، والتعاونيات، والمشروعات الأسرية، والمشروعات المنزلية، والمبادرات الإنتاجية التي تقودها النساء والشباب والأشخاص ذوو الإعاقة.
كما ينبغي وضع مسار تدريجي يسمح للنشاط غير المسجل بالانتقال إلى الوضع القانوني من دون عقوبات فورية أو التزامات لا يستطيع تحملها.
نافذة موحدة وسجل اقتصادي مبسط
ينبغي إنشاء سجل اقتصادي موحد يمنح كل مشروع رقماً تعريفياً واحداً يستخدمه أمام الجهات الصحراوية المختصة. وتتولى نافذة واحدة إجراءات اختيار الاسم، والتسجيل، والتصريح بالعمال، والحصول على الموافقات الأساسية.
يجب أن تتوافر الخدمة حضورياً في المخيمات، ويمكن دعمها بخدمة رقمية عندما تسمح وسائل الاتصال بذلك. ولا يجوز جعل الهاتف الذكي أو الإنترنت شرطاً وحيداً للحصول على الخدمة.
وينبغي أن يكون التسجيل سريعاً ومنخفض التكلفة، وأن يقتصر رفض الطلب على أسباب قانونية محددة ومكتوبة وقابلة للتظلم. كما يجب حماية البيانات الشخصية، مع إتاحة المعلومات الأساسية التي يحتاج إليها المتعاملون للتحقق من وجود المشروع وصفة ممثله.
ويفضل اعتماد سجل مؤقت أو مبسط للأنشطة المنزلية والموسمية، على أن تنتقل إلى مستوى تنظيمي أعلى عندما تتوسع أو تتغير درجة مخاطرها.
شركة مبسطة ذات مسؤولية محدودة
من الضروري إنشاء صيغة قانونية يستطيع شخص واحد أو أكثر تأسيسها باستخدام إجراءات واضحة وعقد مبسط متوافق مع الشريعة. تتمتع الشركة بشخصية قانونية مستقلة، وتكون مسؤولية المالك محدودة بمساهمته، ما لم يرتكب غشاً أو يخلط عمداً بين أموال الشركة وأمواله الشخصية.
ولا ينبغي اشتراط رأس مال مرتفع، لأن هذا الشرط قد يحرم أصحاب المهارات والأفكار من دخول الاقتصاد المنظم. ويمكن حماية الدائنين من خلال الإفصاح، ومسك سجلات مناسبة، ومنع الاحتيال، وإلزام المشروع بعدم التعاقد بما يتجاوز قدرته بصورة متعمدة.
كما يجب أن تتوافر نماذج تأسيس مختلفة، مثل المنشأة الفردية، وشركة الشخص الواحد، وشركة الشركاء، والتعاونية. ويجب أن يوضح كل نموذج طريقة الإدارة، وتوزيع الأرباح، وتحمل الخسائر، وخروج الشريك، ووفاة أحد الشركاء، وتسوية النزاعات.
نظام مالي ومحاسبي متناسب
يحتاج المشروع الصغير إلى سجل حسابات مبسط يبين الإيرادات والمصروفات والديون والمخزون، لا إلى المتطلبات نفسها المفروضة على مؤسسة كبيرة. ويمكن اعتماد فترة انتقالية ورسوم مبسطة، ثم الانتقال إلى التزامات أوسع عندما ينمو النشاط.
ينبغي أن ترتبط الحوافز بعمل اقتصادي أو اجتماعي واضح، مثل خلق فرص العمل، أو تدريب الشباب، أو الإنتاج المحلي، أو توفير خدمة يحتاج إليها المخيم. أما الامتيازات المفتوحة وغير المحددة فقد تشجع على التحايل أو المحاباة.
ويجب التنسيق بين أي رسوم عامة وبين أحكام الزكاة، من دون الخلط بينهما. فالزكاة عبادة مالية لها شروطها ومصارفها، بينما الرسوم العامة التزام تنظيمي يحدد القانون غرضه ومقداره. وينبغي الاستعانة بالفقهاء والاقتصاديين لضمان العدالة ومنع الازدواج المرهق، مع الحفاظ على استقلال كل نظام ووظيفته.
الوصول إلى الأسواق والمشتريات العامة
يمكن للمؤسسات الوطنية أن تجعل مشترياتها أداة لتنمية المشروعات المحلية من خلال تخصيص العقود الصغيرة المناسبة لها، وتقسيم بعض العقود الكبيرة إلى أجزاء تستطيع المنافسة عليها، وتبسيط ملفات التعاقد، وضمان سرعة دفع المستحقات.
ولا ينبغي منح الأفضلية بصورة آلية من دون مراعاة الجودة والسعر والقدرة على التنفيذ. كما يجب نشر الفرص ونتائج الاختيار وأسبابها، ووضع آلية للتظلم، حتى لا تتحول المشتريات إلى باب للمحاباة.
وتكتسب سرعة الدفع أهمية خاصة في المخيمات، لأن المشروع الصغير لا يملك احتياطياً مالياً كبيراً. وقد يؤدي التأخر في دفع مستحقاته إلى توقفه حتى لو نفذ العمل المطلوب بنجاح.
كما يمكن إنشاء أسواق دورية ومنصات تعاونية ومرافق مشتركة للتخزين والنقل والتسويق، بما يساعد المنتجين الصغار على خفض التكلفة والوصول إلى عدد أكبر من المستهلكين.
التدريب والحاضنات والخدمات المشتركة
ينبغي ألا يقتصر دعم المشروعات على منح التمويل. يحتاج صاحب المشروع إلى مساعدة عملية في اختيار النشاط، ودراسة السوق، وحساب التكلفة، والتسعير، ومسك الحسابات، والتسويق، والجودة، وأحكام المعاملات الشرعية المرتبطة بنشاطه.
ويمكن إنشاء مراكز خدمات مشتركة بالتعاون بين المؤسسات الوطنية والجامعات والمهنيين والمنظمات الداعمة. تقدم هذه المراكز الاستشارة والتدريب والخدمات المحاسبية والقانونية والتقنية بتكلفة منخفضة.
ويجب تصميم برامج خاصة للنساء والشباب، مع مراعاة مسؤولياتهم الأسرية، وإتاحة التدريب في أوقات وأماكن مناسبة، وتوفير حلول تساعدهم على الوصول إلى الأدوات والمعدات والأسواق.
معالجة التعثر ومنح فرصة جديدة
الفشل التجاري ليس دائماً غشاً أو تقصيراً. فقد يتعثر المشروع بسبب انقطاع التوريد، أو ارتفاع الأسعار، أو ضعف السوق، أو المرض، أو تغير الظروف الإنسانية. لذلك يحتاج المشروع الصغير إلى إجراءات مبسطة للصلح وإعادة الجدولة أو التصفية.
يجب أن تحمي هذه الإجراءات حقوق الدائنين، وأن تتيح لصاحب المشروع حسن النية فرصة استئناف النشاط أو البدء من جديد. وفي المقابل، يجب تشديد المسؤولية عن إخفاء الأموال، وتزوير الحسابات، والاحتيال، واستعمال اسم الشركة للإضرار بالآخرين.
كما ينبغي تشجيع الوساطة والتحكيم والصلح في المنازعات التجارية الصغيرة، بشرط ضمان الحياد، واحترام الشريعة والقانون، وعدم حرمان أي طرف من حقه في اللجوء إلى الجهة القضائية المختصة.
الحوكمة والرقابة والشفافية
ينبغي إنشاء مجلس وطني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة يضم الجهات الاقتصادية والمالية، وممثلين عن أصحاب المشروعات والعمال والتعاونيات والنساء والشباب، إلى جانب علماء في فقه المعاملات وخبراء في القانون والاقتصاد والمحاسبة.
تكون مهمة المجلس اقتراح السياسات ومتابعة التنفيذ ونشر النتائج. ولا ينبغي أن يتولى توزيع التمويل بصورة مباشرة إذا كان ذلك سيجمع بين وضع القواعد والاستفادة منها أو يخلق تضارباً في المصالح.
ويصدر المجلس تقريراً دورياً يوضح عدد المشروعات المسجلة، والقطاعات التي تعمل فيها، ونسبة استمرارها، والوظائف التي وفرتها، وحجم التمويل الذي وصل إليها، والمشكلات التي تواجهها. ويجب نشر المعلومات بطريقة تحمي خصوصية الأفراد ولا تكشف أسرارهم التجارية.
المسار العملي لإعداد القانون
يفضل أن يسبق الصياغة النهائية مسح ميداني داخل المخيمات لحصر الأنشطة القائمة وقطاعاتها وأحجامها والعوائق التي تواجهها. ولا يكفي سؤال المسؤولين والخبراء، بل يجب الاستماع مباشرة إلى أصحاب المحال والحرفيين والنساء العاملات من المنازل والتعاونيات والشباب والعمال والمستهلكين.
ثم تنشر ورقة مبادئ بلغة واضحة للنقاش العام، وتعقد مشاورات في مختلف المخيمات. ويشارك في الصياغة قانونيون، واقتصاديون، ومحاسبون، وعلماء في فقه المعاملات، وممثلون عن المؤسسات المحلية والجهات الإنسانية ذات الصلة.
بعد ذلك تعد مسودة القانون بالتوازي مع اللائحة التنفيذية، ونماذج العقود، وإجراءات التسجيل، وآليات التمويل والرقابة. فلا ينبغي أن يدخل القانون حيز النفاذ قبل جاهزية أدوات تطبيقه.
ويمكن بدء التطبيق بصورة تجريبية في عدد محدود من الأنشطة أو المواقع، ثم تصحيح الأخطاء وتوسيع النظام. وبعد مرور فترة مناسبة، تجرى مراجعة رسمية تقيس النتائج وتعدل الإجراءات بناءً على التجربة.
كيف يقاس نجاح القانون؟
لا يقاس نجاح القانون بعدد شهادات التسجيل وحده. بل يقاس بعدد المشروعات التي استمرت في العمل، والوظائف التي أنشأتها، والسلع والخدمات التي وفرتها، وقدرتها على تقليل الاعتماد على الاستيراد والمساعدات، ومدى وصول النساء والشباب إلى فرص اقتصادية عادلة.
كما يقاس بمدى انخفاض المنازعات، وسرعة التسجيل، ووضوح العقود، ووصول التمويل الشرعي إلى مستحقيه، وانتقال الأنشطة غير المنظمة إلى وضع قانوني، وثقة المجتمع في نزاهة التراخيص والتمويل والمشتريات.
القانون الناجح لا ينتج ملفات أكثر، بل ينتج مؤسسات قابلة للبقاء، ويحفظ حقوق الناس، ويقوي التكافل، ويفتح باب العمل الكريم.
لقد حان الوقت لسنّ قانون للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدولة الصحراوية، بشرط أن يكون قانوناً نابعاً من مرجعية المجتمع ومن واقعه. فلا يجوز أن يتناقض تأسيس المشروعات أو تمويلها أو نشاطها مع أحكام الشريعة الإسلامية. كما لا يجوز أن يتجاهل القانون ظروف اللجوء، وضعف الموارد، ومحدودية السوق والبنية التحتية، وطبيعة الإدارة والخدمات داخل المخيمات.
المطلوب ليس قانوناً دعائياً ولا نسخة منقولة من بيئة مختلفة. المطلوب إطار قانوني صحراوي بسيط وعادل، يفتح المجال أمام المبادرة، ويحمي المال والحقوق، ويمنع الربا والغش والاحتكار، ويدعم المشاركة والتعاون والتمويل المشروع.
إن بناء الدولة لا يبدأ بالمشروعات الكبرى وحدها. يبدأ أيضاً من تمكين المواطن من تحويل فكرة صغيرة إلى نشاط نافع، ومن تحويل المهارة إلى مصدر دخل كريم، ومن تحويل المبادرات المتفرقة إلى اقتصاد منظم يقوم على الإنتاج والعدل والتكافل.
وبهذا المعنى يصبح قانون المشروعات الصغيرة والمتوسطة بنية تحتية سيادية واقتصادية واجتماعية، وجزءاً من الاستعداد لبناء اقتصاد وطني صحراوي قادر على خدمة الإنسان في ظروف اللجوء، وقادر في الوقت نفسه على التطور والاستمرار في المستقبل.
تعليقات
إرسال تعليق