التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجزائر والإمارات وحرائق جيجل: ماذا نعرف حتى الآن؟

​ قطيعة دبلوماسية رسمية

لم يعد الخلاف بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة مجرد توتر سياسي أو تراشق غير مباشر. ففي 10/09/ 2026، أعلنت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية رسمياً قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات. ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية البيان الذي أكد إبلاغ سفير الإمارات في الجزائر بالقرار ومنحه مهلة مدتها ثمانٍ وأربعون ساعة للامتثال له.

وجاء الرد الإماراتي في اليوم نفسه ليؤكد الواقعة من الجانب الآخر. فقد قالت وزارة الخارجية الإماراتية إنها تأسف لقرار الجزائر، وأعربت عن أملها في أن يكون مؤقتاً. وبذلك، فإن الحديث عن القطيعة ليس شائعة ولا مجرد تحليل سياسي، بل خبر ثابت ببيانين رسميين من الدولتين.

كما أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المسجلة في الإمارات، المدنية والعسكرية، ابتداءً من منتصف ليل الحادي عشر من سبتمب. واستُثنيت مؤقتاً الرحلات التجارية المتجهة من مطار هواري بومدين وإليه حتى نهاية عام 2026. وكان هذا القرار قد سبقه، في فبراير/شباط من العام نفسه، شروع الجزائر في إلغاء اتفاق الخدمات الجوية المبرم مع الإمارات.

مع ذلك، ينبغي التمييز بين إعلان القطيعة وتنفيذ تفاصيلها الميدانية. فحتى تاريخ إعداد هذا المقال، لم تنشر المصادر الرسمية المفتوحة تأكيداً بأن سفير الإمارات غادر الجزائر فعلاً، أو أن سفارتي البلدين أغلقتا أبوابهما نهائياً. كما أن ظهور صفحات السفارتين على الإنترنت لا يثبت استمرار عملهما الميداني، لأن المواقع الرسمية قد تتأخر في تحديث معلوماتها.

حرائق جيجل: ماذا حدث؟

المقصود على الأرجح بحرائق جيجل الأخيرة هو الموجة التي بدأت في 26/08/2026، واستمرت عمليات إخماد بعض بؤرها ومراقبتها حتى التاسع والعشرين من الشهر نفسه.

بحسب الحماية المدنية الجزائرية، سجلت ولاية جيجل ثلاثة عشر حريقاً خلال ثلاثة أيام. وجرى تجنيد أكثر من خمسمائة وعشرين عوناً وست وخمسين شاحنة إطفاء، إضافة إلى الطائرات والمروحيات المخصصة لإلقاء المياه. كما أُجليت عائلات احترازياً في عدد من المناطق التي اقتربت منها النيران، ومنها مناطق في أولاد يحيى خدروش والشقفة وتاكسنة.

وساعد ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الغطاء النباتي وقوة الرياح وكثافة الدخان على الانتشار السريع للنيران. وذكرت السلطات أن سرعة الرياح عرقلت في بعض الفترات تدخل الطائرات، قبل أن يسمح تحسن الأحوال الجوية باستئناف العمليات الجوية والسيطرة على الحرائق الرئيسية.

لكن هذه الظروف تفسر سرعة انتشار النار وصعوبة إخمادها، ولا تحسم بالضرورة سبب اندلاع كل بؤرة. ولهذا أعلنت وزارة الداخلية فتح تحقيقات معمقة لمعرفة الأسباب.

بعد انحسار الخطر المباشر، انتقلت السلطات إلى إحصاء الأضرار وتعويض المتضررين وإعادة الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية. ونُصبت مائة وثمان وثلاثون خلية إحصاء عبر ثماني عشرة بلدية متضررة. كما أُعلن تضرر مؤسسات تعليمية ومساكن ومحاصيل وثروة حيوانية وشبكات كهرباء.

وتثبت المصادر وجود وفيات وإصابات، لكنها لا تقدم، ضمن المواد الرسمية المفتوحة التي تمت مراجعتها، حصيلة نهائية منفصلة خاصة بولاية جيجل. لذلك ينبغي الحذر من اعتماد الأرقام المؤقتة أو غير الرسمية المتداولة على شبكات التواصل بوصفها حصيلة نهائية.

ماذا كشفت التحقيقات القضائية؟

في العاشر من سبتمبر/أيلول، أعلنت نيابة القطب الجزائي الوطني بمحكمة سيدي أمحمد إيداع تسعة أشخاص الحبس المؤقت في ثلاث قضايا مرتبطة بإضرام النار داخل أملاك غابية في جيجل.


وشملت الوقائع التي أعلنتها النيابة مناطق في الشقفة وسلمى بن زيادة وبوراوي بلهادف. وقال البيان إن التحقيقات الأولية استندت، بحسب كل قضية، إلى خبرات علمية واعترافات منسوبة إلى مشتبه فيهم ومقطع فيديو. وورد في إحدى القضايا أن وسيلة الإشعال كانت شمعتين جرى تقسيمهما وإشعالهما في موضعين.

هذا التطور يدعم، في نطاق الوقائع الثلاث التي حددتها النيابة، فرضية الإضرام المتعمد. لكنه لا يعني أن كل حرائق جيجل اندلعت بالطريقة نفسها، كما لا يمثل حكماً نهائياً بإدانة الموقوفين. فالحبس المؤقت إجراء خلال التحقيق، وتبقى الإدانة من اختصاص المحكمة بعد دراسة الأدلة وتمكين المتهمين من الدفاع.

هل توجد يد إماراتية في الحرائق؟

من المشروع طرح السؤال بسبب التزامن بين الحرائق وتصاعد الأزمة السياسية ثم إعلان قطع العلاقات. غير أن التزامن الزمني لا يكفي لإثبات وجود علاقة سببية.


حتى تاريخ إعداد هذا المقال، لا يوجد في المواد العلنية الموثقة دليل يربط الإمارات بإشعال حرائق جيجل أو بتمويل منفذيها أو توجيههم. فالبيان القضائي الجزائري يتحدث عن مشتبه فيهم ووقائع وأدلة أولية محلية، لكنه لا يذكر الإمارات أو مواطنين إماراتيين أو اتصالات أو تحويلات مالية أو أوامر صادرة من الخارج.


كما أن بيان قطع العلاقات الدبلوماسية لم يذكر حرائق جيجل ضمن أسبابه التفصيلية. وقد وصف الجانب الجزائري التصرفات الإماراتية بأنها استفزازية أو عدائية من دون أن يحدد، في البيان المنشور، وقائع بعينها أو يربطها بالحرائق.


وكانت الإمارات قد نشرت في الثامن والعشرين من أغسطس/آب بيان تضامن وتعزية مع الجزائر في ضحايا الحرائق. وقد استخدم بعض المعلقين هذا البيان، إلى جانب الخلاف السياسي السابق، لطرح تساؤلات بشأن احتمال وجود دور إماراتي. لكن التعزية ليست دليلاً على التورط، مثلما أن الخصومة السياسية بين دولتين لا تثبت المسؤولية الجنائية عن حادث معين.

ولإثبات اتهام بهذه الخطورة، يلزم وجود دليل قابل للفحص، مثل اتصالات موثقة أو تحويلات مالية أو أوامر أو اعترافات أو نتائج تحقيق قضائي تكشف صلة واضحة بين المشتبه فيهم وجهة إماراتية. ولا تظهر مثل هذه الأدلة في السجل العلني المتاح حتى الآن.

هذا لا يعني إصدار حكم نهائي بانتفاء أي احتمال مستقبلي. فقد تظهر لاحقاً أدلة جديدة أو نتائج قضائية لم تنشر بعد. لكنه يعني أن نسبة الحرائق إلى الإمارات في الوقت الحالي تبقى فرضية غير مثبتة، ولا يجوز تقديمها بوصفها حقيقة.

لماذا تدهورت العلاقات؟

سبقت حرائق جيجل خلافات سياسية متراكمة بين الجزائر والإمارات. وربطت تقارير إعلامية التوتر بتباين مواقف البلدين من الصحراء الغربية، وعلاقات الإمارات مع إسرائيل، والتنافس على النفوذ في منطقة الساحل، إضافة إلى اتهامات جزائرية عامة بالتدخل في شؤون المنطقة.

لكن هذه الملفات تمثل سياقاً سياسياً للخلاف وليست أدلة على المسؤولية عن الحرائق. كما أن وقوع الإعلان القضائي عن الموقوفين وقرار قطع العلاقات في اليوم نفسه لا يثبت أن الملفين مرتبطان. قد يكون التزامن مهماً سياسياً، لكنه لا يتحول إلى دليل ما لم تؤكده وثائق أو تصريحات رسمية أو نتائج تحقيق واضحة.


الثابت رسمياً هو أن الجزائر قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات في العاشر من سبتمبر/أيلول 2026، بعد فترة من التوتر والإجراءات المتصلة بالطيران والمجال الجوي.

والثابت أيضاً أن جيجل شهدت موجة حرائق خطيرة في أواخر أغسطس/آب، وأن السلطات فتحت تحقيقات وأوقفت تسعة مشتبه فيهم في ثلاث قضايا تتعلق بإضرام النار عمداً. غير أن تلك القضايا ما زالت في مرحلة التحقيق، ولا يجوز اعتبار المشتبه فيهم مدانين قبل صدور أحكام قضائية.

أما احتمال وجود دور إماراتي، فلا يسنده حتى الآن دليل علني موثوق. ويمكن القول إن التوقيت يبرر السؤال، لكنه لا يثبت الاتهام. ويظل الموقف المهني السليم هو انتظار ما قد تكشفه التحقيقات القضائية، مع الفصل بين الخصومة السياسية والقرائن الزمنية من جهة، والدليل الجنائي القابل للتحقق من جهة أخرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البحرية الصحراوية: تاريخٌ من العمليات البحرية البطولية في مواجهة نهب الثروات

​  المقدمة منذ اندلاع الكفاح المسلح    في الصحراء الغربية منتصف سبعينيات القرن الماضي، سعت الدولة الصحراوية إلى بناء قدرات عسكرية متعددة لمواجهة السيطرة على الإقليم وثرواته الطبيعية. وفي هذا السياق برزت  البحرية الصحراوية  كإحدى الوحدات العسكرية التي لعبت دورًا في المواجهة على السواحل، خاصة فيما يتعلق بعمليات استهداف السفن التي كانت تنشط في استغلال الموارد الطبيعية في المياه المقابلة للإقليم. وقد ارتبط ظهور هذه القوة البحرية بظروف سياسية وعسكرية معقدة فرضت على المقاتلين الصحراويين البحث عن وسائل مختلفة لإيصال قضيتهم إلى الساحة الدولية، وإبراز قدرتهم على العمل في مختلف الجبهات، بما فيها البحر. التأسيس تأسست البحرية الصحراوية في  1 أبريل 1976  على شكل وحدة عسكرية أُطلق عليها اسم  كتيبة الكوماندوس البحري . تكوّنت هذه الكتيبة من عناصر تلقت تدريبات عسكرية مكثفة، وأسندت إليها مهام رئيسية تمثلت في: • مواجهة الأنشطة البحرية المرتبطة بالقوات المغربية. • استهداف السفن التي كانت تستغل الثروات الطبيعية في المنطقة. • حماية الموارد الصحراوية البحرية...

أهم ما جاء في بيان هام صادر عن مؤسسة للمقاولة والاستثان SE

​  : أبرئ زملائي تماماً أمام الله وأمامكم، وأؤكد للجميع بكل صدق ووضوح بأنني المسؤول الوحيد والأوحد عن كل ما حدث وحدي، وليس لزملائي لا من بعيد ولا من قريب علاقة بالموضوع ، فكل ما يتعلق بالقرارات الإدارية والتسيير يعود لي وحدي ، استناداً إلى قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ​سابعاً: نؤكد للجميع وبكل وضوح تام، بأنه لا علاقة لي بالدولة ولا بمؤسساتها رسمياً أو فعلياً، لا من قريب ولا من بعيد، وانا فرد مثلي مثل أي فرد اخر نعمل بمعزل عن أي صفة رسمية للدولة، وكل امرئ محاسب عن فعله ومستقل بذمته استشهاداً بقوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:

فخ العيون: هل استُدرج الشيخ ولد الددو لدق إسفين بين الشعبين الموريتاني والصحراوي؟

​  أثارت الزيارة المفاجئة التي قام بها الشيخ العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية .عاصفة من التساؤلات والجدل. فرجل الدين الذي عُرف بمواقفه الصارمة الرافضة للاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الإقليم، وجد نفسه فجأة في قلب المدينة التي تمثل رمزاً للنزاع. وبعيداً عن التفسيرات السطحية التي تضع الزيارة في خانة “صلة الرحم” أو “النشاط الدعوي”، تبرز قراءة استراتيجية أعمق تشير إلى أن هذه الزيارة لم تكن عفوية، بل هي عملية استدراج سياسي  استخباراتية ودبلوماسي محكمة، تهدف إلى تحقيق غايات أبعد بكثير من مجرد استضافة عالم دين. الدبلوماسية الدينية كأداة اختراق تُدرك الرباط جيداً حجم التأثير الذي يتمتع به علماء الدين في منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً في موريتانيا. وقد اعتمد المغرب في السنوات الأخيرة استراتيجية “الدبلوماسية الدينية” كقوة ناعمة لاختراق المجتمعات المجاورة وتشكيل مواقفها السياسية في هذا السياق، يمثل الشيخ ولد الددو صيداً ثميناً. فهو ليس مجرد عالم محلي، بل نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشخصية تحظى باحترام واسع. استدراجه لزيار...