مقدمة:
من الاستعمار التقليدي إلى النفوذ الاقتصادي
لم يعد النفوذ بين الدول في العصر الحديث مرتبطًا بالاحتلال العسكري المباشر والسيطرة على الأراضي كما كان الحال في الحقبة الاستعمارية التقليدية، بل ظهرت أشكال أكثر تعقيدًا من التأثير تعتمد على الاقتصاد والاستثمار والتمويل والتجارة والاتصالات والبنية التحتية.
وفي بعض الأدبيات النقدية، تُستخدم مفاهيم مثل «الاستعمار الناعم» و«الاستعمار الاقتصادي» و«التبعية الاقتصادية» لوصف حالات يصبح فيها اقتصاد دولة ما شديد الارتباط برؤوس أموال ومؤسسات ومصالح اقتصادية قادمة من دولة أخرى.
لكن وجود الشركات الأجنبية أو توسع الاستثمارات الخارجية لا يعني، في حد ذاته، وجود «استعمار ناعم». فقد تكون هذه الاستثمارات جزءًا من علاقات اقتصادية طبيعية تحقق مصالح متبادلة، وتوفر الوظائف والتمويل والخدمات والتكنولوجيا.
ومن هذا المنطلق، يثير تنامي حضور المؤسسات الاقتصادية المغربية في موريتانيا أسئلة تستحق الدراسة، خاصة أن رأس المال المغربي أصبح حاضرًا في قطاعات مهمة مثل الاتصالات والمصارف والإسمنت ومواد البناء، بالتوازي مع توسع المبادلات التجارية والتعاون في مجالات أخرى.
توسع العلاقات الاقتصادية المغربية الموريتانية
شهدت العلاقات الاقتصادية بين موريتانيا والمغرب توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وانتقلت من المبادلات التجارية التقليدية إلى الاستثمار المباشر وحضور الشركات والمؤسسات المغربية داخل السوق الموريتانية.
وتشير تصريحات دبلوماسية مغربية منشورة في يوليو/تموز 2026 إلى أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين تجاوز 400 مليون دولار خلال سنة 2025، مع وجود استثمارات مغربية في مجالات الاتصالات والبنوك والإسمنت والصيد والزراعة ومواد البناء وغيرها.
ومن الضروري التنبيه إلى أن رقم 400 مليون دولار يتعلق بحجم المبادلات التجارية بين البلدين، وليس بقيمة الاستثمارات المغربية في موريتانيا، إذ يمثل كل منهما مؤشرًا اقتصاديًا مختلفًا.
كما شهد عام 2026 استمرار اللقاءات بين المؤسسات الرسمية والاقتصادية في البلدين بهدف تشجيع الاستثمار والشراكة بين القطاعين الخاصين، بما يعكس رغبة رسمية في توسيع التعاون الاقتصادي.
الاتصالات: موريتل في قلب الحضور المغربي
يعد قطاع الاتصالات أحد أبرز القطاعات التي يظهر فيها رأس المال المغربي في موريتانيا.
فقد دخلت اتصالات المغرب إلى رأسمال شركة موريتل سنة 2001، وأصبحت الشركة الموريتانية جزءًا مهمًا من الانتشار الإفريقي للمجموعة المغربية.
ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أن اتصالات المغرب تمتلك بصورة غير مباشرة حصة تبلغ نحو 41.22 في المئة من موريتل.
وتكشف مؤشرات السوق عن أهمية الشركة داخل قطاع الاتصالات الموريتاني؛ إذ بلغ عدد مشتركي الهاتف المحمول لديها نحو 2.5 مليون مشترك بنهاية 2024، بينما بلغت حصتها من سوق الهاتف المحمول قرابة 53 في المئة في سبتمبر/أيلول 2024، وفق بيانات المجموعة.
وهذه الأرقام تجعل قطاع الاتصالات نموذجًا مهمًا عند دراسة الحضور الاقتصادي المغربي، نظرًا إلى الطبيعة الاستراتيجية للاتصالات والإنترنت والخدمات الرقمية في الاقتصاد الحديث.
القطاع المصرفي: التجاري وفا بنك
يمثل القطاع المصرفي المجال الثاني البارز للحضور الاقتصادي المغربي في موريتانيا.
ويتمثل هذا الحضور بصورة واضحة في Attijari bank Mauritanie المرتبط بمجموعة التجاري وفا بنك المغربية.
ودخلت المجموعة السوق الموريتانية سنة 2010، عندما استحوذ تحالف مكون من التجاري وفا بنك بنسبة 67 في المئة ومجموعة البنك الشعبي المغربية بنسبة 33 في المئة على حصة قدرها 80 في المئة من BNP Paribas Mauritanie، التي تحولت لاحقًا إلى Attijari bank Mauritanie.
وتشير بيانات المجموعة إلى أن البنك يمتلك شبكة تقارب 25 فرعًا ويخدم أكثر من 26 ألف عميل.
ويكتسب الحضور في القطاع المصرفي أهمية خاصة، لأن البنوك لا تقدم خدمات للأفراد فقط، بل تلعب دورًا في تمويل الشركات والاستثمارات والتجارة والمشروعات الاقتصادية.
الإسمنت ومواد البناء: حضور مجموعة CIMAF
لا يقتصر الحضور الاقتصادي المغربي على الخدمات المصرفية والاتصالات، بل يمتد إلى القطاعات الصناعية ومواد البناء.
ومن أبرز الأمثلة CIMAF التابعة لمجموعة ذات منشأ مغربي، والتي توسعت في عدد من الدول الإفريقية.
وفي موريتانيا يرتبط نشاطها بـCimenterie du Sahel في المنطقة المينائية بنواكشوط، وتبلغ طاقة الطحن المعلنة نحو 500 ألف طن سنويًا.
وتعود جذور المجموعة إلى المغرب، حيث تأسست Ciments de l’Atlas قبل تطوير نشاط CIMAF والتوسع في الأسواق الإفريقية.
وتكمن أهمية هذا النشاط في ارتباط صناعة الإسمنت مباشرة بقطاع البناء والتوسع العمراني ومشروعات البنية التحتية.
ثلاثة أقطاب رئيسية للحضور المغربي
بناء على المؤسسات التي تتوفر بشأنها معلومات موثقة، يمكن تحديد ثلاثة أقطاب بارزة للحضور الاقتصادي المغربي في موريتانيا:
الاتصالات: اتصالات المغرب من خلال موريتل.
المصارف: مجموعة التجاري وفا بنك من خلال Attijari bank Mauritanie.
الإسمنت ومواد البناء: مجموعة CIMAT–CIMAF وأنشطتها المرتبطة بصناعة الإسمنت.
ولا تعني هذه القائمة أنها إحصاء نهائي لجميع المؤسسات المغربية الموجودة في موريتانيا؛ فهناك شركات واستثمارات وأنشطة تجارية أخرى، خصوصًا في التجارة والخدمات والزراعة والصيد والنقل. وإنما تمثل هذه المؤسسات نماذج بارزة يمكن توثيق حضورها بصورة أوضح.
من التجارة إلى القطاعات الاستراتيجية
تكمن أهمية الحضور المغربي في موريتانيا في أن جزءًا منه لا يقتصر على تصدير المنتجات الاستهلاكية، وإنما يدخل في قطاعات مؤثرة في النشاط الاقتصادي.
فالوجود في الاتصالات يعني الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والوجود في المصارف يرتبط بالتمويل وحركة الأموال والاستثمار، بينما يرتبط الإسمنت ومواد البناء بالعمران والبنية التحتية.
وإلى جانب ذلك، يتوسع الاستعمال الناعم في مجالات النقل والطاقة والصناعة والتجارة، وهو ما يجعل العلاقة الاقتصادية أكثر تشابكًا من مجرد حركة السلع عبر الحدود.
هل يمكن وصف هذا الحضور بـ«الاستعمار الناعم»؟
هنا تبرز المسألة الأساسية التي يطرحها المقال.
فمن زاوية أولى، يمكن النظر إلى الاستثمارات المغربية باعتبارها جزءًا من التكامل الاقتصادي بين بلدين جارين كانت للمغرب حدود واضحة، ولو أن المغرب لم يطالب بالأراضي الموريتانية ولم يعتبرها جزءًا تاريخيًا من المغرب
، إذ يمكن للاستثمار الأجنبي أن يساهم في توفير التمويل، وتطوير الخدمات، وخلق فرص العمل، وإدخال الخبرات والتكنولوجيا، وزيادة المبادلات التجارية.
لكن من زاوية نقدية، يمكن التساؤل عن النتائج طويلة المدى عندما يتمركز رأس المال الأجنبي في قطاعات استراتيجية.
ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد معرفة جنسية الشركات، وإنما يتطلب الأمر بيانات أكثر تفصيلًا حول نسب الملكية والسيطرة على السوق، والأرباح المحولة إلى الخارج، والضرائب المدفوعة داخل موريتانيا، وعدد الوظائف التي توفرها هذه الشركات للموريتانيين، ونسبة المناصب الإدارية التي يشغلها المواطنون، وحجم مشترياتها من الشركات المحلية، وتأثيرها في المنافسة والمؤسسات الوطنية.
بين الاستثمار والتبعية الاقتصادية
يمكن أن يمثل الاستثمار الأجنبي فرصة لتنمية الاقتصاد إذا أدى إلى زيادة الإنتاج والتشغيل ونقل المعرفة وخلق قيمة مضافة محلية.
وفي المقابل، قد تظهر مخاطر التبعية إذا أصبحت قطاعات رئيسية شديدة الاعتماد على رأس مال خارجي، أو إذا كان جزء كبير من القيمة والأرباح الناتجة عن النشاط الاقتصادي يغادر البلاد دون أن يقابله أثر تنموي محلي كافٍ.
لذلك، فإن النقاش حول «الاستعمار الناعم» في الحالة الموريتانية لا ينبغي أن يتوقف عند الشعارات، بل يجب أن يتحول إلى دراسة اقتصادية تعتمد على الأرقام وموازين الملكية وحصص السوق وتدفقات الأرباح والاستثمار.
خاتمة
يكشف حضور المؤسسات المغربية في موريتانيا عن تطور واضح . فلم تعد العلاقة محصورة في التجارة وتبادل السلع، بل أصبحت تشمل استثمارات في قطاعات ذات أهمية كبيرة، وفي مقدمتها الاتصالات والمصارف والإسمنت ومواد البناء.
وتبرز موريتل المرتبطة باتصالات المغرب، وAttijari bank Mauritanie المرتبط بالتجاري وفا بنك، ومجموعة CIMAF في صناعة الإسمنت بوصفها من أبرز نماذج هذا الحضور.
غير أن توصيف هذا التوسع بأنه «تكامل اقتصادي» أو اعتباره شكلًا من أشكال «التبعية الاقتصادية» لا يمكن حسمه بمجرد تعداد الشركات المغربية الموجودة في موريتانيا.
فالمعيار الأكثر دقة يتمثل في معرفة من يملك؟ ومن يسيطر على السوق؟ ومن يستفيد من الأرباح؟ وكم يبقى من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الموريتاني؟ وما حجم الوظائف والاستثمارات المحلية التي يولدها هذا الحضور؟
والإجابة بالأرقام عن هذه الأسئلة هي التي تسمح بفهم طبيعة الحضور الاقتصادي المغربي في موريتانيا وتحديد آثاره الحقيقية على الاقتصاد الوطني.
تعليقات
إرسال تعليق